الشيخ محمد هادي معرفة

58

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إنّ للقرآن ظهرا وبطنا قال رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله : « ما من آية في القرآن إلّا ولها ظهر وبطن » ! وقد سئل الإمام الباقر عليه السلام عن ذلك فقال : « ظهره تنزيله وبطنه تأويله » . « 1 » وهذا من طبيعي البيان القرآني أن يكون له ظهر لائح وبطن خفيّ ، أمّا الظهر فهو المستفاد حسب تنزيله . أي بدلائل شواهد النزول يستفاد مفهوم هو محدود في إطار تلك المناسبة المستدعية للنزول ، لايتعدّاها . وهي دلالة ضيّقة النطاق . غير أنّ هناك وراء هذه الدلالة الظاهرة دلالة على مفهوم عام مستفاد من فحوى الكلام بعد إلغاء الخصوصيّات المكتنفة بأسباب النزول . وهذا المفهوم الواسع هو المقصود الأصلي الذي يُشكّل غرض الكلام ، فهو تأويله أي يعود إليه مفهوم الكلام في نهاية المطاف . مثال ذلك قوله تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ » . « 2 » هذا خطاب مع المشركين حيث تشككّوا في إمكان بعثة بشر « قالُوا ما أَنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ » . « 3 » فعرض عليهم أن يتساءلوا أهل الكتاب عن ذلك « فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ » ! « 4 » هذا هو مفهوم ظاهر التنزيل المحدود بأناس خاصّة ومسألة خاصّة وعصر خاصّ . . . أمّا لو كانت الآية محدودة بهذا الظاهر الضيّق النطاق ، إذن لأصبحت لا فائدة فيها بعد فوات ذاك الأوان سوى حكاية أمرٍ ماضٍ . ولكانت كلّ آية قيد تاريخها ، غير صالحة للجريان مع الأبد . . . لولا الإمعان في مفاد الآية العام ، المستفاد من فحوى الآية بعد إلغاء الخصوصيّات غير المرتبط بأصل المراد . إذ لاخصوصيّة في كونهم مشركين ، بعد كون المناط هو جهلهم بحقيقة الأمر . كما لاخصوصيّة في مسألة النبوة ، بل المراد : مطلق ماجهلوا من أمر الشريعة . وهكذا لا خصوصية في كون المسؤولين هم أهل الكتاب بعد

--> ( 1 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 11 . ( 2 ) - النحل 43 : 16 - 44 . ( 3 ) - الأنعام 91 : 6 . ( 4 ) - يونس 94 : 10 .